جيرار جهامي ، سميح دغيم
2123
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
المؤرّخون لذكر دولة نسّقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلها وهما أو صدقا ، لا يتعرّضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع رايتها . . . ولا علّة الوقوف عند غايتها ، فيبقى الناظر متطلّعا بعد إلى اقتفاء أحوال مبادئ الدول ومراتبها مفتّشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها » . هنا تظهر علمية فكرة التاريخ واستقلاليتها حيث لا يجب أن يعنى بشيء سوى « تقرير الحوادث » ، والكشف عن أسبابها على أساس النقد الجريء والمتحصّن بالموضوعية وعدم التشيّع للآراء والمذاهب . تعني فلسفة التاريخ في الفكر الأوروبي الحديث التعليق عن الأحداث التاريخية . وعندما نعلّق على الحدث فنحن نعطيه صورته العقلية التي نكوّنها عنه . من هنا يصاغ الحدث بعلاقة مع بيئة المفكّر وذهنيته إلى حدّ ما . قد تكون فلسفة التاريخ أيضا كناية عن نظرة إجمالية يلقيها المؤرّخ على مجمل حوادث الماضي ، وبذلك يميّزها عن التاريخ كتقنية لدراسة الماضي . وتطلق كذلك على البحث التحليلي الذي يتّصل بنوع المعرفة التاريخية وبقيمتها . وقد تعني أخيرا ، كما ظهرت عند الأوروبيين في القرن الثامن عشر ، التفكير في التاريخ ، أي أن نجعل كتابة التاريخ مرتبطة بمسألة تفكيرنا بعوالم الإنسانية والحضارة . ( راجع : تاريخ ، تعليل تاريخي ، خطاب تاريخي ) . * في الفكر الحديث والمعاصر - إن قراءة الحوادث التاريخية تجعلنا نستخرج منها أحكاما عامة ، أي استنباط بعض القواعد التي يبدو لنا أنها متحكّمة بوقوع هذه الحوادث . من هنا نقول إن هذا الاستخراج هو عملية نقدية نسمّيها فلسفة التاريخ ، والتي قد يكون أول من تكلّم عنها وبشكل مطوّل أبو بكر الطرطوشي في كتابه « سراج الملوك » حيث نحا فيه نحو ابن خلدون واضعا قواعد للسياسة وشروطا للسلطة مبنيّة على تدبّر الحوادث التاريخية . لكنه ، وبالرغم من كل ذلك ، فإنه لم يجعل من هذه المسألة علما قائما بحدّ ذاته ، ولا هو ارتقى إلى درجة ابن خلدون مؤسّس جوانب عدّة من « فلسفة التاريخ » باكتشافه لعلم العمران البشري وقوانينه ومنهجياته . * في الفكر النقدي - تطول فلسفة التاريخ عند بعض مؤرّخي الفلسفة تاريخ الإنسان ، أي تاريخ وعي الأفكار الإنسانية . فلا تاريخ بدون وعي ، ولا وعي إلّا عند الإنسان . ولأنه لا فلسفة دون وعي ، فلا حديث عن فلسفة تاريخ دون ربطها بوعي الإنسان . والإنسان من جهته كائن تاريخي لأنه يخضع لشروط التتالي الزمني من حيث التطوّر والنموّ على المستويات المادية والمعنوية كافة ؛ وبما أنه لا تاريخ دون زمان ، يصبح الإنسان حتما كائنا تاريخيّا وموضوعا لفلسفة التاريخ هذه . هناك نظرة معيارية متعالية إلى فلسفة التاريخ من حيث اعتبار أن الفلسفة بحدّ ذاتها هي معيارية متعالية على الواقع ، فممّ تتكوّن فلسفة التاريخ هذه إذا ؟ المقصود هنا أن فلسفة التاريخ غير مقيّدة بالتحقيبات الزمنية المتتالية ، والتي قد تؤسّس لفصل منهجي